الثلاثاء، 17 مارس 2009

دع عنك ما قد فات فى زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه وأنت لاه تلعب
والروح منك وديعة أودعتها ستردُها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التى تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب
الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب
أيا عبد كم يراك الله عاصيا حريصا على الدنيا وللموت ناسيا
أنسيت لقاء الله واللحد والثرى ويوما عبوسا تشيب فيه النواصيا
لو أن المرء لم يلبس ثيابا من التقى تجرد عريانا ولو كان كاسيا
ولو أن الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حيا وباقيا
ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصى كماهى
يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل
فتأهبى يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل
فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل
وليركبن عليك فيه من الثرى ثقل ثقيل
قرن الفناء بنا جميعا فما يبقى العزيز ولا الذليل
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
اذ كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير
واذ النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضيلء كدور
واذا البحار تفجرت من خوفها ورأيتها مثل الجحيم تفور
واذا العشار تعطلت وتخربت خلت الديار فما بها معمور
واذا الجبال تقاعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير
واذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأملاك : أين نسير
واذا الصحائف نشرت وتطايرت وتهتكت للعالمين ستور
وأذا الجحيم تسعرت نيرانها ولها على أهل الذنوب زفير
واذا الجليل طوى السما بيمينه طى السجل كتابه المنشور
واذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتى على طول البلاء صبور
واذا الجنين بأمه متعلق يخشى القصاص وقلبه مذعور
هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور
الهى لا تعذبنى فأنى مقر بالذى قد كان منى
فكم من ذلة لى فى البرايا وأنت على ذو فضل ومن
يظن الناس بى خيرا وانى لشر الناس ان لم تعف عنى

مقدمة مدارج السالكين لأبن القيم

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيمالحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين وإله المرسلين وقيوم السماوات والأرضين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المبين الفارق بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشك واليقين أنزله لنقرأه تدبرا ونتأمله تبصرا ونسعد به تذكرا ونحمله على أحسن وجوهه ومعانيه ونصدق به ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه ونجتني ثمار علومه النافعة الموصلة إلى الله سبحانه من أشجاره ورياحين الحكم من بين رياضه وأزهاره فهو كتابه الدال عليه لمن أراد معرفته وطريقه الموصلة لسالكها إليه ونوره المبين الذي أشرقت له الظلمات ورحمته المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات والسبب الواصل بينه وبين عباده إذا انقطعت الأسباب وبابه الأعظم الذي منه الدخول فلا يغلق إذا غلقت الأبواب وهو الصراط المستقيم الذي لا تميل به الآراء والذكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء والنزل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء لا تفنى عجائبه ولا تقلع سحائبه ولا تنقضي آياته ولا تختلف دلالاته كلما ازدادت البصائر فيه تأملا وتفكيرا زادها هداية وتبصيرا وكلما بجّست معينه فجر لها ينابيع الحكمة تفجيرا فهو نور البصائر من عماها وشفاء الصدور من أدوائها وجواها وحياة القلوب ولذة النفوس ورياض القلوب وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح والمنادي بالمساء والصباح يا أهل الفلاح حي على الفلاح نادى منادى الإيمان على رأس الصراط المستقيم (46:31 {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.